فصل: استيلاء معز الدولة على البصرة والموصل وصلحه مع ابن حمدان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد واندراج أحكام الخلافة في سلطانه

ثم إن تورون في فاتح سنة أربع وثلاثين عقد الأتراك الرياسة عليهم لإبن شيرزاد وولاه المستكفي أمرة الأمراء في الأرزاق فضاقت الجبايات على العمال والكتاب وتجار وامتدت الأيدي إلى أموال الرعايا وفشا الظلم وظهرت اللصوص وكبسوا المنازل وأخذ الناس في الجلاء عن بغداد‏.‏ثم استعمل ابن شيرزاد على واصل نيال كوشة وعلى ريت الفتح اليشكري فانتقضا وسار الفتح لإبن حمدان فولاه على تكريت من قبله دعوته وبعث نيال كوشة إلى معز الدولة وقام بدعوته‏.‏واستدعاه لملك بغداد فزحف إليها في عساكر الديلم ولقيه ابن شيرزاد والأكراد فهزمهم ولحقوا بالموصل وأخفى مستكفي وقم معز الدولة كاتبه الحسن بن محمد المهلبي إلى بغداد فدخلها وظهر خليفة من الإختفاء وحضر عند المهلبي فبايع له عن معز الدولة أحمد بن بويه وعن شويه عماد الدولة وركن الدولة الحسن وولاهم المستكفي على أعمالهم ولقبهم بهذه ألقاب ورسمها على سكته‏.‏ثم جاء معز الدولة إلى بغداد فملكها وصرف الخليفة في حكمه واختص باسم السلطان وبعث إليه أبو القاسم البريدي صاحب البصرة فضمن واسط وأعمالها وعقد له عليها‏.‏

  خلع المستكفي وبيعة المطيع وما حدث في الجباية والإقطاع

وبعد أشهر قلائل من استيلاء معز الدولة على بغداد نمي إليه أن المستكفي يريد الإدالة منه فتنكر له وأجلسه في يوم مشهود للقاء وافد من أصحاب خراسان وحضر معز الدولة في قومه وعشيرته‏.‏وأمر رجلين من نقباء الديلم بالفتك بالخليفة فتقدما ووصلاه ليقبلا يد المستكفي‏.‏ثم جذباه عن سريره وقاداه ماشياً واعتقلاه بداره وذلك في منتصف أربع وثلاثين فاضطرب الناس وعظم النهب ونهبت دار الخلافة‏.‏وبايع معز الدولة للفضل بن المقتدر ولقبه المطيع لله‏.‏وأحضر المستكفي فأشهد على نفسه بالخلع وسلم على المطيع بالخلافة وسلب الخليفة من معاني الأمر والنهي وصيرت الوزارة إلى معز الدولة يولي فيها من يرى‏.‏وصار وزير الخليفة مقصور النظر على إقطاعه ومقتات داره وتسلم عمال معز الدولة وجنده من الديلم وغيرهم أعمال العراق وأراضيه ولاية وإقطاعاً حتى كان الخليفة يتناول الإقطاع بمراسم معز الدولة وإنما ينفرد بالسرير والمنبر والسكة والختم على الرسائل والصكوك والجلوس للوفد وإجلال التحية والخطاب ويقومون مع ذلك بأوضاع القائم على الدولة وترتيبه‏.‏وكان القائم منهم على الدولة تفرد في دولة بني بويه والسلجوقية بلقب السلطان ولا يشاركه فيه غيره ومعاني الملك من القدرة والأبهة والعز وتصريف الأمر والنهي حاصل للسلطان دون الخليفة‏.‏وكانت الخلافة حاصلة للعباسي المنصوب لفظاً مسلوبة عنه معنى‏.‏ثم طلب الجند أرزاقهم بأكثر من العادة لتجدد الدولة فاضطر إلى ضرب المكوس ومد الأيدي إلى أموال الناس وأقطعت جميع القرى والضياع للجند فارتفعت أيدي العمال وبطلت الدواوين لأن ما كان منها بأيدي الرؤساء لا يقدرون على النظر فيها وما كان بأيدي الأتباع خرب بالظلم والمصادرات والحيف في الجباية وإهمال النظر في إصلاح القناطر وتعديل المشارب وما خرب منها عوض صاحبه عنه بآخر فيخربه كما يخرب الآخر‏.‏ثم إن معز الدولة أفرد جمعها من المكوس والظلامات وعجز السلطان عن ذخيرة يعدها لنوائبه‏.‏ثم استكثر من الموالي ليعتز بهم على قومه وفرض لهم الأرزاق والإقطاع فحدثت غيرة قومه من ذلك وآل الأمر إلى المنافرة كما مسير ابن حمدان إلى بغداد وانهزامه أمام معز الدولة ولما بلغ استيلاء معز الدولة على بغداد وخلعه المستكني إلى ناصر الدولة بن حمدان امتعض لذلك‏.‏وسار من الموصل إلى بغداد في شعبان سنة أربع وثلاثين فقدم معز الدولة عسكره فأوقع بها ابن حمدان بعكبرا‏.‏ثم سار معز الدولة ومعه المطيع إلى مدافعته ولحق به ابن شيرزاد فاستحثه إلى بغداد سنة أربع وثلاثين وخالفه معز الدولة إلى تكريت ونهبها وتسابقوا جميعاً إلى بغداد فنزل معز الدولة والمطيع بالجانب الشرقي ابن حمدان بالجانب الغربي فقطع الميرة عن معسكر معز الدولة فغلت الأسعار وعزت الأقوات ونهب عسكره مراراً فضاق به الأمر واعتزم على العود إلى الأهواز فأمر وزيره أبا جعفر الصيمري بالعبور في العساكر لقتال أبن حمدان فظفر به الصيمري وغنم الديلم أموالهم وظهرهم‏.‏ثم أمن معز الدولة الناس وأعاد المطيع إلى داره في محرم سنة خمس وثلاثين ورجع ابن حمدان إلى عكبرا وأرسل في الصلح سراً فنكر عليه الأتراك التورونية وهموا بقتله وفر إلى الموصل ومعه ابن شيرزاد ثم صالحه معز الدولة كما طلب‏.‏ولما فر عن الأتراك التورونية أعلمهم تكين الشيرازي فقبضوا على من تخلف من أصحابه وساروا في اتباعه وقبض هو في طريقه على ابن شيرزاد وتجاوز الموصل إلى نصيبين فملكها تكين وسار في اتباعه إلى السند فلحقه هنالك عسكر من معز الدولة كما طلب وأمده به مع وزيره أبي جعفر الصيمري وقاتل الأتراك فهزمهم وسار إلى الموصل هو والصيمري فدفع ابن شيرزاد إلى الصيمري وحمله إلى معز الدولة وذلك سنة خمس وثلاثين‏.‏

  استيلاء معز الدولة على البصرة والموصل وصلحه مع ابن حمدان

وفي سنة خمس وثلاثين انتقض أبو القاسم بن البريدي بالبصرة فجهز معز الدولة الجيش إلى واسط ولقيهتم جيش ابن البريدي في الماء وعلى الظهر فانهزموا إلى البصرة وأسروا من أعيانهم جماعة‏.‏ثم سار معز الدولة سنة ست وثلاثين إلى البصرة ومعه المطيع كارهاً من قتال أبي القاسم البريدي وسلكوا إليها البرية‏.‏وبعث القرامطة يعذلون في ذلك معز الدولة فكتب يتهددهم‏.‏ولما قارب البصرة استأمنت إليه عساكر أبي القاسم وهرب هو إلى القرامطة فأجاروه وملك معز الدولة البصرة‏.‏ثم سار هو منها إلى الأهواز ليلقى أخاه عماد الدولة وترك المطيع وأبا جعفر الصيمري بالبصرة وانتقض على معز الدولة كوكير من أكابر الديلم فقاتله الصيمري وهزمه وأسره وحبسه معز الدولة بقلعة رامهرمز‏.‏ثم لقي أخاه معز الدولة بأرجان في شعبان من السنة وسلك في تعظيمه وإجلاله من وراء الغاية‏.‏وكان عماد الدولة يأمره بالجلوس في مجلسة فلا يفعل‏.‏ثم عاد معز الدولة والمطيع إلى بغداد ونودي بالمسير إلى الموصل فترددت الرسل من ابن حمدان في الصلح وحمل المال‏.‏ثم سار إليه سنة سبع وثلاثين في شهر رمضان واستولي على الموصل وأراد الإثخان في بلاد ابن حمدان فجاءه الخبر عن أخيه ركن الدولة بأن عساكر خراسان قصدت جرجان واضطر إلى الصلح‏.‏واستقر الصلح بينهما على أن يعطي ابن حمدان عن الموصل والجزيرة والشام ثمانية آلاف ألف درهم كل سنة ويخطب لعماد الدولة ومعز الدولة في بلاده وعاد إلى بغداد‏.‏

  استيلاء ركن الدولة على الري ثم طبرستان وجرجان

ومسير عساكر ابن سامان إليها قد تقدم لنا استيلاء ركن الدولة على أصفهان من يد وشمكير حين بعث عساكره مدداً لماكان بن كالي وكان ركن الدولة وأخوه عماد الدولة بعثا إلى أبي علي بن محتاج قائد نجي سامان يحرضانه على ماكان ووشمكير ويعدانه المظاهرة عليهما فسار أبو علي إلى وشمكير بالري ولقيه ركن الدولة بنفسه‏.‏واستمد وشمكير ماكان فجاءه في عساكره والتقوا فانهزم وشمكير ولحق بطبراستان‏.‏ثم سار بعساكره إلى بلد الجبل فاقتحمها واستولي على زنجان وأبهر وقزوين وقم وكرج وهمذان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان ورتب فيها العمال وجبي أموالها‏.‏ثم وقع خلاف بين وشمكير والحسن بن الفيرزان ابن عم ماكان واستنجد الحسن بأبي علي بن محتاج فأنجده حتى وقع بينهما صلح وعاد أبو علي إلى خراسان وصحبه الحسن بن الفيرزان ولقيه في طريقه رسل السعيد بن سامان وأمر أبا علي بن محتاج سنة ثلاث وثلاثين بغدر الحسن بأبي علي ونهب سواده وعاد إلى جرجان فملكها وملك معها الدامغان وسمنان‏.‏وسار وشمكير من طبرستان إلى الري فاستولي عليها أجمع وكان في قل من العسكر لفناء رجاله في حروبه مع أبي علي بن محتاج والحسن بن الفيرزان فتطاول حينئذ ركن الدولة إلى الإستيلاء على الري وسار إلى الري‏.‏وقاتل وشمكير فهزمه فلحق بطبرستان واستولي ركن الدولة على الري وأجمع مخالصة الحسن بن الفيرزان وزوجه ابنته وتمسك بمواصلته ومودته واستفحل بذلك ملك بني بويه وامتنع وصارت لهم أعمال الري والجبل وفارس والأهواز والعراق ويحمل إليهم ضمان الموصل وديار بكر‏.‏ثم سار ركن الدولة بن بويه إلى بلاد وشمكير سنة ست وثلاثين ومعه الحسن بن الفيرزان مدداً ولقيهما وشمكير فانهزم أمامهما ولحق بخراسان مستنجداً بابن سامان وملك ركن الدولة طبرستان وسار منها إلى جرجان فأطاعه الحسن بن الفيرزان وولاه ركن الدولة عليها واستأمن إليه قواد وشمكير ورجع إلى أصفهان ، ^? بنو شاهين بداية بني شاهين ملوك البطيحة أيام بني بويه كان عمران بن شاهين من أهل الجامدة وكان يتصرف في الجباية وحصل منها بيده مال فصرفه وهرب إلى البطيحة ممتنعاً من الدولة‏.‏وأقام هنالك بين القصب والآجام يقتات بسمك الماء وطيره ويأخذ الرفاق التي تمر به واجتمع إليه لصوص الصيادين فقوي وامتنع على السلطان وتمسك بطاعة أبي القاسم بن البريدي بالبصرة فقلده حماية الجامدة وحماية البطائح ونواحيها فعز جانبه وكثر جمعه وسلاحه واتخذ معاقل على التلال بالبطيحة وغلب على تلك النواحي‏.‏وأهم معز الدولة أمره وبعث وزيره أبا جعفر الصيمري في العساكر سنة ثمان وثلاثين وحصره وأيقن بالهلاك وما نفس عن مخنقه إلا وصول الخبر بوفاة عماد الدولة بن بويه ومبادرة الوزير الصيمري إلى شيراز فعاد عمران إلى حاله وقوي أمره كما يأتي في أخبار دولته‏.‏

  وفاة عماد الدولة ابن بويه وولاية عضد الدولة ابن أخيه على بلاد فارس مكانه

ثم توفي عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بمدينة شيراز كرسي مملكة فارس في منتصف سنة ثلاث وثلاثين بعد أن كان طلب من أخيه ركن الدولة أن ينفذ إليه ابنه عضد الدولة فتأخر ليوليه عهده إذ لم يكن له ولد ذكر فأنفذ إليه ركن الدولة في جماعة من أصحابه لسنة بقيت من حياته وركب عماد الدولة للقائه ودخل به إلى داره في يوم مشهود وأجلسه على السرير وأمر الناس أن يحيوه بتحية الملك وكان في قواد عماد الدولة جماعة أكابر لا يستكينون لعماد الدولة فضلاً عن عضد الدولة مكانه بفارس واختلف عليه أصحابه فجاء إليه ركن الدولة أبوه من الري بعد أن استخلف عليها علي بن كتامة وكتب معز الدولة إلى وزيره الصيمري بأن يترك محاربة ابن شاهين‏.‏وشمير إلى شيراز مدداً لعضد الدولة وأقام ركن الدولة في شيراز تسعة أشهر وبعث إلى أخيه معز الدولة بهدية من الأموال والسلاح وكان عماد الدولة هو أمير الأمراء وإنما كان معز الدولة نائباً عنه في كفالة الأموال وولاية أعمال العراق فلما مات عماد الدولة انقلبت إمرة الأمراء إلى ركن الدولة وبقي معز الدولة نائباً عنه كما كان عن عماد الدولة لأنه كان أصغر منهما‏.‏

  وفاة الصيمري ووزارة المهلبي

كان أبو جعفر أحمد الصيمري وزير معز الدولة قد عاد من فارس إلى أعمال الجامدة وأقام يحاصر عمران بن شاهين إلى أن هلك منتصف تسع وثلاثين وكان يستخلف بحضرة معز الدولة في وزارته أبا محمد الحسن بن محمد المهلبي فباشره معز الدولة وعرف كفايته واضطلاعه فاستوزره مكان الصيمري فحسن أثره في جمع الأموال وكشف الظلامات وتقريب أهل العلم مسير عساكر ابن سامان على الري ورجوعها لما سار ركن الدولة إلى بلاد فارس بعث الأمير نوح بن سامان إلى منصور بن قراتكين صاحب جيوشه بخراسان أن يسير إلى الري فسار إليها سنة تسع وثلاثين وكان لها علي بن كتامة خليفة ركن الدولة ففارقها إلى أصفهان وملك منصور الري وبعث العساكر في البلاد فملكوا الجبل إلى قرميس واستولوا على همذان وبعث ركن الدولة من فارس إلى أخيه معز الدولة بإنفاذ العساكر إلى مدافعتهم فبعث سبكتكين الحاجب في جيش كثيف من الديلم وغيرهم فكبسهم وأسر مقدمهم فعادوا إلى همذان‏.‏ثم سار إليهم ففارقوها‏.‏وملكها وورد عليه ركن الدولة بهمذان فعدل منصور بن قراتكين إلى أصفهان فملكها وسار إليها ركن الدولة وسبكتكين في مقدمته وشغب عليه بعض الأتراك فأوقع بهم وترددوا في تلك الناحية‏.‏وكتب معز الدولة إلى ابن أبي الشوك الكردي يتبعهم فقتل منهم وأسر ونجا بعض الموصل‏.‏وترك ركن الدولة قريباً من أصفهان وجرت بينه وبين منصور حروب وضاقت الميرة على الفريقين إلا أن الديلم كانوا أصبر على الجوع وشظف العيش من أهل خراسان لقرب عهدهم بالبداوة‏.‏ومع ذلك فهم ركن الدولة بالفرار لولا وزيره ابن العميد كان يثبته ويريه أنه لا يغني عنه وأن الإستماتة أولى به فصبر وشغب على منصور بن قراتكين جنده وانفضوا جميعاً إلى الري وتركوا مخلفهم بأصفهان فاحتوى عليه ركن الدولة وذلك فاتح سنة أربعين‏.‏ومات منصور بن قراتكين بالري في ربيع الأول من السنة ورجعت العساكر إلى نيسابور‏.‏

  استيلاء ركن الدولة ثانياً على طبرستان وجرجان

قد كنا قدمنا استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان سنة ست وثلاثين وأنه استخلف على جرجان الحسن بن الفيرزان‏.‏وسار وشمكير إلى خراسان مستنجداً بابن سامان فسار معه صاحب جيوش خراسان منصور بن قراتكين وحاصر جرجان فصالحه الحسن بن الفيرزان بغير رضا من وشمكير لإنحرافه عنه وعن الأمير نوح‏.‏ورجع إلى نيسابور وأقام وشمكير بجرجان والحسن بزوزن‏.‏ثم سار ركن الدولة سنة أربعين من الري إلى طبرستان وجرجان ففارقها وشمكير إلى نيسابور واستولي ركن الدولة عليها واستخلف بجرجان الحسن بن الفيرزان وعلي بن كتامة وعاد إلى الري فقصدهما وشمكير وانهزما منه واسترد البلاد من ركن الدولة‏.‏وكتب الأمير نوح يستنجده على ركن الدولة فأمر أبا علي بن محتاج بالمسير معه في جيوش خراسان فسار في ربيع سنة إثنتين وأربعين وامتنع ركن الدولة ببعض معاقله‏.‏وحاربه أبو علي بن محتاج في جيوش خراسان حتى ضجرت عساكره وأظلهم فصل الشتاء فراسل ركن الدولة في الصلح على أن يعطيهم ركن الدولة مائتي ألف دينار في كل سنة وعاد إلى خراسان‏.‏وكتب وشمكير إلى الأمير نوح بأن ابن محتاج لم ينصح في أمر ركن الدولة وأنه مماليء فسخطه من أجل ذلك وعزله عن خراسان‏.‏ولما عاد ابن محتاج عن ركن الدولة سار هو إلى وشمكير فانهزم وشمكير إلى أسفرايين واستولي ركن الدولة على طبرستان‏.‏

  إقامة الدعوة لبني بويه بخراسان

ولما عزل الأمير نوح أبا علي بن محتاج عن خراسان استعمل مكانه أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني فانتقض حينئذ وخطب لنفسه بنيسابور وتحيز عنه ابن الفيرزان مع وشمكير إلى الأمير نوح فخام ابن محتاج عن عداوتهم‏.‏واستأذن ركن الدولة في المسير إليه‏.‏ثم سار سنة ثلاث وأربعين فتلقاه بأنواع الكرامات وسأل منه ابن محتاج أن يقتضي له عهد الخليفة بولاية خراسان فبعث ركن الدولة في ذلك إلى أخيه معز الدولة ببغداد وجاءه العهد والمدد فسار إلى خراسان فخطب بها للخليفة وركن الدولة‏.‏ثم مات نوح خلال ذلك وولي ابنه عبد الملك فبعث بكر بن مالك من بخارى إلى خراسان لإخراج ابن محتاج منها فسار إليه وهرب ابن محتاج إلى الري فآواه ركن الدولة وأقام عنده واستولي بكر بن مالك على خراسان‏.‏ثم سار ركن الدولة إلى جرجان ومعه ابن محتاج فتركها وملكها ولحق وشمكير بخراسان‏.‏مسير عساكر ابن سامان على الري وأصفهان أربع وأربعين في أتباعه إلى الري وأصفهان وكان ركن الدولة غائباً بجرجان فملكها ورجع إلى الري في المحرم من السنة وكتب إلى أخيه معز الدولة يستمده فأمده بالعساكر مع ابن سبكتكين‏.‏وجاء مقدمة العساكر من خراسان إلى أصفهان من طريق المفازة وبها الأمير منصور بن بويه بن ركن الدولة ومقدم العساكر محمد بن ماكان فملك أصفهان وخرج في طلب ابن بويه واتفق وصول الوزير أبي الفضل بن العميد فلقيه محمد بن ماكان فهزمه وعاد أولاد ركن الدولة وحرمه إلى أصفهان‏.‏وراسل ركن الدولة بكر بن مالك صاحب العساكر بخراسان في الصلح على مال يحمله إليه وتكون الري وبلد الجبل في ضمانه فأجابه بكر بن مالك إلى ذلك وصالحه عليه وكتب ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة بأن يبعث إلى بكر بن مالك خلعاً ولواء بولاية خراسان فبعث بها في ذي القعدة من السنة‏.‏

  خروج روزبهان على معز الدولة وميل الديلم إليه

كان روزبهان ونداد خرشيد من كبار قواد الديلم وكان معز الدولة قد رفعه ونوه بذكره فخرج سنة خمس وأربعين بالأهواز ومعه أخوه أسفار وخرج أخوه بلكا بشيراز‏.‏ولما خرج روزبهان زحف إليه الوزير المهلبي لقتاله فنزع الكثير من أصحابه إلى روزبهان فانحاز عنه وبعث بالخبر إلى معز الدولة فسار إليهم واختلفت عليه الديلم ومالوا مع روزبهان‏.‏وفصل معز الدولة من بغداد خامس شعبان من السنة قاصداً لحربه وبلغ الخبر إلى ناصر الدولة بن حمدان فبعث ابنه أبا الرجال في العساكر للاستيلاء على بغداد فخرج الخليفة عنها منحدراً وأعاد معز الدولة سبكتكين الحاجب وغيره لمدافعة ابن حمدان عن بغداد‏.‏وسار إلى أن قارب الأهواز والديلم في شغب عليه وعلى عزم اللحاق بروزبهان إلا نفراً يسيراً من الديلم كانوا خالصة فكان يعتمد عليهم وعلى الأتراك وكان يفيض العطاء في الديلم فيمسكون عما يهمون به‏.‏ثم ناجز روزبهان الحرب سلخ رمضان فانهزم وأخذ أسيراً وعاد إلى بغداد إلى أبي الرجال بن حمدان وكان بعكبرا فلم يجده لأنه بلغه خبر روزبهان فأسرع العود إلى الموصل ودخل معز الدولة بغداد وغرق روزبهان وكان أخوه بلكا الخارج بشيراز أزعج عنها عضد الدولة‏.‏وسار إليه أبو الفضل بن العميد وقاتله فظفر به وعاد عضد الدولة إلى ملكه وانمحى أثر روزبهان وإخوته وقبض معز الدولة على جماعة منهم ممن إرتاب بهم واصطنع الأتراك وقدمهم وأقطع لهم فاعتزوا وامتدت أيديهم‏.‏

  استيلاء معز الدولة على الموصل ثم عودها

كان ناصر الدولة بن حمدان قد صالح معز الدولة على ألفي ألف درهم كل سنة ثم لم يحمل فسار إليه معز الدولة منتصف سبع وأربعين ففارق الموصل إلى نصيبين وحمل معه سائر أهل دولته من الوكلاء والكتاب ومن يعرف وجوه المال وأنزلهم في قلاعه‏:‏ كقلعة كواشي والزعفران وغيرهما‏.‏وقطع الميرة عن عسكر معز الدولة فضاقت عليهم الأقوات فسار معز الدولة إلى نصيبين للميرة وبلغه أن أبا الرجاء وهبة الله في عسكر سنجار فبعث إليهم بعض عساكره وكبسوهم فهربوا واستولي العسكر على مخففهم ونزلوا في خيامهم‏.‏وكر عليهم أولاد ناصر الدولة وهم غارون فأثخنوا فيهم وأقاموا بسنجار‏.‏وسار معز الدولة إلى نصيبين فلحق ناصر الدولة بميافارقين واستأمن الكثير من أصحابه إلى معز الدولة فلحق بأخيه سيف الدولة بحلب فبالغ في تكرمته وخدمته وتوسط في الصلح بينه وبين معز الدولة بثلاثة آلاف ألف فأجابه معز الدولة وتم ذلك بينهما ورجع معز الدولة إلى العراق في محرم سنة ثمان وأربعين‏.‏

  العهد لبختيار

وفي سنة خمس طرق معز الدولة مرض استكان له وخشي على نفسه فأراد العهد لإبنه بختيار وعهد إليه بالأمر وسلم له الأموال وكان بين الحاجب سبكتكين والوزير المهلبي منافرة فأصلح بينهما ووصاهما بابنه بختيار وعهد إليه بالأمور واعتزم على العود إلى الأهواز مستوحشاً هواء بغداد فلما بلغ كلواذا إجتمع به أصحابه وسفهوا رأيه في الإنتقال من بغداد على ملكه وأشاروا عليه بالعود إليها وأن يستطيب الهواء في بعض جوانبها المرتفعة ويبني بها دوراً استيلاء ركن الدولة على طبرستان وجرجان وفي سنة إحدى وخمسين سار ركن الدولة إلى طبرستان وبها وشمكير فحاصره بمدينة سارية وملكها ولحق وشمكير بجرجان وترك طبرستان فملكها ركن الدولة وأصلح أمرها‏.‏ثم سار إلى جرجان فخرج عنها وشمكير واستولي عليها ركن الدولة واستأمن إليه من عسكر وشمكير ثلاثة آلاف رجل فازداد بهم قوة ودخل وشمكير بلاد الجبل مسلوباً واهناً‏.‏ظهور البدعة ببغداد وفي هذه السنة كتب الشيعة على المساجد بأمر معز الدولة لعن معاوية بن أبي سفيان صريحاً ولعن من غصب فاطمة فدك ومن منع أن يدفن الحسن عند جده ومن نفي أبا ذر الغفاري ومن أخرج العباس من الشورى ونسب ذلك كله لمعز الدولة لعجز الخليفة‏.‏ثم أصبح ممحوا وأراد معز الدولة إعادته فأشار عليه الوزير المهلبي بأن يكتب مكانه لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذكر أحدا باللعن إلا معاوية رضي الله عنه ‏.‏

  وفاة الوزير المهلبي

وفي سنة إثنتين وخمسين سار المهلبي وزير معز الدولة إلى عمان ليفتحها فلما ركب البحر طرقه المرض فعاد إلى بغداد ومات في طريقه في شعبان من السنة ودفن ببغداد‏.‏

  وقبض معز الدولة أمواله وذخائره

وقبض على حواشيه وحبسهم ونظر في الأمور بعده أبو الفضل بن العباس بن الحسن الشيرازي وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس ولم يتسموا باسم الوزارة‏.‏

  استيلاء معز الدولة ثالثاً على الموصل

كان ناصر الدولة بن حمدان قد ضمن الموصل كما تقدم وأجابه معز الدولة إلى ضمانه فبذل له ناصر الدولة زيادة على أن يدخل معه في الضمان أبو ثعلب فضل الله الغضنفر ويحلف لهما معز الدولة فأبى من ذلك وسار إلى الموصل منتصف ثلاث وخمسين ففارقها ابن حمدان إلى نصيبين وملكها معز الدولة‏.‏ثم خرج إلى طلب ابن حمدان منتصف شعبان واستخلف على الموصل بكتورون وسبكتكين العجمي‏.‏وسار ابن حمدان عن نصيبين وملكها معز الدولة وخالفه ابن حمدان إلى الموصل وحارب عسكر معز الدولة فيها فهزموه‏.‏وجاء الخبر إلى معز الدولة فظفر أصحابه بابن حمدان وسار ونزل جزيرة ابن عمر فسار في أتباعه فوصل ساعس رمضان فوجده قد جمع أولاده وعساكره إلى الموصل فأوقع بأصحاب معز الدولة وأسر الأميرين اللذين خلفا بها واستولي على ما خلفوه من مال وسلاح وحمل الجميع مع الأسرى إلى قلعة كواشي فأعيا معز الدولة أمره وهو من مكان إلى مكان في أتباعه فأجابه إلى الصلح وعقد عليه ضمان الموصل وديار ربيعة والرحبة بمال قرره فاستقر الصلح على ذلك وأطلق ابن حمدان الأسرى ورجع معز الدولة إلى بغداد‏.‏

  استيلاء معز الدولة على عمان

قد تقدم لنا أن عمان كانت ليوسف بن وجيه وأنه حارب بني البريدي بالبصرة حتى قارب أخذها حتى عملوا الحيلة في إضرام النار في سفنه فولى هارباً في محرم سنة إثنتين وثلاثين وأنه ثار عليه مولاه في هذه السنة فغلبه على البلد وملكها من يده‏.‏ولما استوحش معز الدولة من القرامطة كتب إليهم ابن وجيه صاحب عمان يطمعهم في البصرة واستمدهم في البر وسار هو في البحر سنة إحدى وأربعين وسابقه الوزير المهلبي من الأهواز إليها وأمده معز الدولة بالعساكر والمال فاقتتلوا أياماً‏.‏ثم ظفر المهلبي بمراكبه وما فيها من سلاح وعدة‏.‏ولم يزل القرامطة يناورونها حتى غلبوا عليها سنة أربع وخمسين واستولوا عليها وهرب رافع عنها‏.‏وكان له كاتب يعرف بعلي بن أحمد ينظر في أمور البلد والقرامطة بمكانهم من هجر فاتفق قاضي البلد وكان ذا مشير وعصابة على أن ينصبوا للنظر في أمورهم أحد قوادهم فقدموا لذلك ابن طغان ففتك بجميع القواد الذين معه وثأر منه بعض قرابتهم فقتلوه فاجتمع الناس على تقديم عبد الوهاب بن أحمد بن مروان من قرابة القاضي مكانه فولوه واستكتب علي بن أحمد كاتب القرامطة قبله من الجند فامتعضوا لذلك فدعاهم إلى بيعته فأجابوه وسواهم في العطاء مع البيض فسخط البيض ذلك ودارت بينهم حرب سكنوا آخرها واتفقوا وأخرجوا عبد الوهاب من البلد واستقر علي بن أحمد الكاتب أميراً فيها‏.‏ثم سار معز الدولة إلى واسط سنة خمس وخمسين وقدم إليه نافع مولي ابن أخيه الذي كان ملكها بعد مولاه فأحسن إليه وأقام عنده حتى فرغ من أمر عمران بن شاهين وانحدر إلى الأبلة في رمضان من السنة وجهز المراكب إلى عمان مائة قطعة وبعث فيها الجيوش بنظر أبي الفرج محمد بن العباس وتقدم إلى عضد الدولة بفارس أن يمدهم بالعساكر من عنده فوافاهم المدد بسيراف وساروا إلى عمان فملكوها يوم الجمعة يوم عرفة من السنة وفتكوا فيها بالقتل وأحرقوا لهم تسعين مركباً وخطب لمعز الدولة وصارت من أعماله‏.‏

  وفاة معز الدولة وولاية ابنه بختيار

كان معز الدولة قد سار سنة خمس وخمسين إلى واسط لمحاربة عمران بن شاهين فطرقه المرض سنة ست وخمسين فسار إلى بغداد وخلف أصحابه بواسط على أن يعود إليهم فاشتد مرضه ببغداد وجدد العهد لإبنه بختيار‏.‏ثم مات منتصف ربيع الآخر من السنة فقام ابنه عز الدولة بختيار مكانه وكتب إلى العساكر بمصالحة عمران بن شاهين ففعلوا وعادوا‏.‏وكان فيما أوصى به معز الدولة ابنه بختيار طاعة عمه ركن الدولة والوقوف عند إشارته وابن عمه عضد الدولة لعلو سنه عليه وتقدمه في معرفة السياسة وأن يحفظ كاتبيه أبا الفضل العباس بن الحسن وأبا الفرج بن العباس والحاجب سبكتكين فخالف جميع وصاياه وعكف على اللهو وعشرة النساء والمغنين والصفاعين فأوحش الكاتبين والحاجب فانقطع الحاجب عن حضور داره‏.‏ثم طرد كبار الديلم عن مملكته طمعاً في إقطاعاتهم فشغب عليه الصغار واقتدى بهم الأتراك في ذلك وطلبوا الزيادات‏.‏وركب الديلم إلى الصحراء وطلبوا إعادة من أسقط من كبارهم ولم يجد بداً من إجازتهم لإنحراف سبكتكين عنه فاضطربت أموره وكان الكاتب أبو الفرج العباس في عمان منذ ملكها فلما بلغه موت معز الدولة خشي أن ينفرد عنه صاحبه أبو الفضل العباس بن الحسن بالدولة فسلم عمان لعضد الدولة وبادر إلى بغداد فوجد أبا الفضل قد انفرد بالوزارة ولم يحصل على شيء‏.‏

  مسير عساكر ابن سامان إلى الري ومهلك وشمكير

كان أبو علي بن إلياس قد سار من كرمان إلى بخارى مستنجداً بالأمير منصور بن نوح بن سامان فتلقاه بالتكرمة فأغراه ابن إلياس بممالك بني بويه وأشار له قواده في أمرهم فصدق ذلك عندما كان يذكر وشمكير عنهم وتقدم إلى وشمكير والحسن بن الفيرزان بالمسير مع عساكره إلى الري‏.‏ثم جهز العساكر مع صاحب خراسان أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور الدواني وأمره بطاعة وشمكير وقبول إشارته فسار لذلك سنة ست وخمسين وأنزل ركن الدولة أهله بأصفهان وكتب إلى ابنه عضد الدولة بفارس وإلى ابن أخيه عز الدين بختيار ببغداد يستنجدهما فأنفذ عضد الدولة العساكر على طريق خراسان ليخالفهم إليها فأحجموا وتوقفوا وساروا إلى الدامغان وقصدهم ركن الدولة في عساكره من الري‏.‏وبينما هم كذلك هلك وشمكير عندما استعرض خيلاً واختار منها واحداً وركب للصيد واعترضه خنزير فرماه بحربة وحمل الخنزير عليه فضرب الفرس فسقط إلى الأرض وسقط وشمكير ميتاً وانتقض جميع ما كانوا فيه ورجعوا إلى خراسان‏.‏